السياحة الدبلوماسية
تحليل المفهوم من منظور جغرافي
ا.د.فراس عبد الجبار الربيعي ا.م.د ذكرى عادل
محمود
جامعة ديالى /كلية التربية للعلوم
الانسانية/قسم الجغرافية
السياحة لغة الانتقال من بلد الى اخر طلبا
للتنزه او الاطلاع والبحث والاستكشاف ([1]) اما اصطلاحا
فهي حركة الإنسان بين
الأماكن المختلفة لأغراض مختلفة والاقامة فيها
ليلة واحدة على الاقل لأغراض مختلفة منها الترفية و
الراحة أو المعرفة
أو العلاج أو
التعرف إلى الثقافات
والحضارات،
وفي الحقيقة فان السياحة ترتبط بالعوامل الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية
والسياسية .
و
قد برز مفهوم السياحة السياسية كاحد انماط
السياحة المعاصرة الذي وهي النوع الذي يكون بدافع سياسي بشكل مباشر او غير مباشر
مثل الفعاليات السياسية او زيارة المواقع
الاثرية ذات البعد السياسي ولقاء شخصيات سياسية مؤثرة وانعقاد المؤتمرات والقمم الدولية
او
الاقليمية واللقاءات
الدبلوماسية والفعاليات المرتبطة
بعمليات السلام وتسوية
النزاعات
ويكون الغرض منه المشاركة أو المتابعة
أو التعرف أو
التوثيق
مما يؤدي بالنتيجة الى وجود نشاط سياحي ملحوظ.
وتتناول هذه المقالة
السياحة الدبلوماسية من منظور جغرافي، من خلال توضيح مفهومها وخصائصها، وتمييزها
عن المفاهيم السياحية والدبلوماسية القريبة منها، وبيان المقومات المكانية
والدبلوماسية للمدن المضيفة، مع الاستعانة بعدد من النماذج الدولية و اعتمدت
المقالة على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال مراجعة الأدبيات ذات الصلة بالسياحة
السياسية والدبلوماسية والسياحة القائمة على المؤتمرات والفعاليات الدولية، وتحليل
عدد من النماذج الحضرية الدولية، بهدف تحديد المقومات المكانية والدبلوماسية للمدن
المضيفة، وبيان الآثار الاقتصادية والخدمية والإعلامية المرتبطة بهذه الفعاليات.
وفي الحقيقة أن السياحة السياسية مصطلح
واسع ومتعدد الاستخدامات ([2])ونظرًا
لاتساع مفهوم السياحة السياسية وتعدد استخداماته، يمكن في إطار هذه المقالة
التمييز تحليليًا بين عدد من الأنماط المرتبطة به :
1-السياحة السياسية الترفيهية Political
Tourism وتتضمن
زيارة
المواقع السياسية ذات البعد التاريخي مثل زيارة
البرلمانات والقصور والمباني
والمؤسسات السياسية ذات الرمزية العالية وزيارة الأماكن التي
شهدت أحداثًا سياسية
مهمة، مثل مواقع
الثورات والحروب والاتفاقيات
والمعاهدات والمفاوضات. [3]
2-
السياحة الدبلوماسية (Diplomatic
Tourism)الذي يمكن تعريفها اجرائيا على انه نمط من
الحركة السياحية المرتبطة باستضافة المدن والدول للمؤتمرات والقمم والاجتماعات
والمفاوضات والفعاليات الدولية ذات الطابع الدبلوماسي والسياسي، وما يرافقها من
انتقال مؤقت للوفود والشخصيات الرسمية والخبراء والإعلاميين والمرافقين، وما ينتج
عنها من طلب على خدمات الإقامة والنقل والمطاعم والمؤتمرات والاتصالات والأنشطة
الثقافية والسياحية، فضلاً عن آثارها في صورة المدينة ومكانتها الدولية. [4]
فالأماكن التي تستضيف المؤتمرات الدولية او الاقليمية أو القمم السياسية أو الاجتماعات التفاوضية لحل أزمة
معينة
تستقبل وفودًا
ومسؤولين وصحفيين وخبراء
ومترجمين وعاملين ومرافقين،
وهو ما يؤدي
إلى حركة مؤقتة
في الطلب على
النقل والإقامة والمطاعم
والخدمات والمؤسسات السياحية.[5]
وتجدر الاشارة الى
ضرورة التمييز بين السياحة الدبلوماسية (Diplomatic Tourism) والدبلوماسية
السياحية (Tourism Diplomacy)،
حيث ان الفرق بينهما وظيفي وليس اصطلاحي
فالأولى
( وفق المفهوم الإجرائي لهذه الدراسة ) ترتبط بالحركة السياحية والخدمية الناجمة
عن استضافة المدن للمؤتمرات والقمم والمفاوضات والفعاليات الدبلوماسية الدولية،
في حين تشير الثانية
إلى توظيف السياحة والتبادل السياحي والثقافي في خدمة العلاقات الخارجية وتعزيز
التواصل والتفاهم بين الدول والشعوب، وما يرتبط بذلك من أبعاد القوة الناعمة
والصورة الدولية للدولة.
وبالعودة الى السياحة
الدبلوماسية موضوع الدراسة فان المدن التي تستضيف هذا النوع من
السياحة يجب ان تتمتع بمواصفات معينة وهي :
1-العوامل المكانية والبنى التحتية واللوجستية وتشمل
أ-الموقع الجغرافي
ب- سهولة
الوصول
ج-المطارات
د-شبكات النقل
هـ-
الفنادق
و-مراكز
مؤتمرات
ز- الاتصالات والخدمات اللوجستية. ([6])
2-
المكانة الجيوسياسية والدبلوماسية للمدينة وتشمل
أ- وجود المنظمات الدولية.
ب- السفارات
والبعثات الدبلوماسية.
ج- تاريخ
المدينة في استضافة المؤتمرات.
د- العلاقات
الدولية للدولة.
هـ الاستقرار السياسي والأمني.
وقد أفرز تركز المنظمات الدولية والبعثات
الدبلوماسية والقمم والمؤتمرات والفعاليات السياسية في بعض المدن نمطاً من المدن
ذات الوظيفة الدولية، ويمكن أن يطلق عليها إجرائياً "المدينة
الدبلوماسية"(
Diplomatic City)، وهي المدينة التي تتمتع بمقومات مؤسسية
ومكانية وخدمية وأمنية تؤهلها لاستضافة المنظمات الدولية والمؤتمرات والقمم
والمفاوضات والفعاليات الدبلوماسية بصورة منتظمة، بما يجعل النشاط الدبلوماسي أحد
مكونات وظيفتها الدولية.
ان النقل الاعلامي المرتبط بالفعاليات
الدبلوماسية يلفت الانظار الى معالم المدينة او الدولة وقد
تسهم التغطية الإعلامية الدولية المصاحبة للفعاليات الدبلوماسية في زيادة التعريف
بالمدينة وإبراز مقوماتها السياحية والثقافية، بما قد يعزز جاذبيتها للزيارات
المستقبلية، ولا سيما عندما تقترن التغطية الإعلامية بوجود بنية سياحية مناسبة
ومقومات جذب فعلي لاغراض السياحة الترفيهية وبالتالي خلق طلبًا
اقتصاديًا يستفيد منه
القطاع السياحي والخدمي
في المدينة المضيفة.
ومن جانب اخر وقد
تتضمن برامج الزيارات الرسمية والفعاليات الدبلوماسية أنشطة ثقافية وزيارات
للمواقع التاريخية والسياحية، الأمر الذي يضيف بعداً سياحياً وثقافياً إلى الحدث
الدبلوماسي
وتعد النزاعات المسلحة
والأزمات السياسية من العوامل المؤثرة في قدرة المدن على استضافة الفعاليات
الدبلوماسية، إذ يمكن أن تؤدي الحروب والعقوبات وإغلاق الحدود واضطراب شبكات النقل
إلى الحد من حركة الوفود والزوار وتعطيل النشاط السياحي والخدمي، في حين قد تسهم
التسويات السياسية وعمليات السلام في إعادة تنشيط الحركة السياحية تدريجياً.
([7])
يمكن
للمدن التي تستضيف
الفعاليات السياسية الدولية
أن تستفيد من
هذه الفعاليات في
دعم التنمية المحلية
من خلال تطوير
الفنادق وشبكات النقل
والمطارات والاتصالات ومراكز
المؤتمرات وتدريب الكوادر
المحلية ودعم المشروعات
الصغيرة وتسويق المدينة
عالميًا وتطوير المواقع
الثقافية والتراثية. ([8])
وتشير الاتجاهات
الحديثة في صناعة الاجتماعات والفعاليات الدولية إلى تنامي أهمية الاجتماعات
الحكومية والدولية بوصفها نشاطاً ذا أبعاد اقتصادية ومكانية متزايدة؛ فقد حلل
تقرير ICCA Global
Government Meetings Intelligence Report 2025
عدد 2,324 اجتماعاً حكومياً وحكومياً دولياً
عقدت في 118 دولة وإقليماً و304 مدن،
وقدّر الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الاجتماعات بنحو 2.5 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعكس
تنامي الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للفعاليات الدولية بالنسبة للمدن والدول
المضيفة، وما تولده من حركة للوفود والمشاركين والخدمات المرتبطة بالإقامة والنقل
والمؤتمرات وغيرها[9].
لكن
يجب الانتباه إلى
أن التنمية الناتجة
عن السياحة السياسية
ينبغي ألا تكون
مؤقتة فقط، بل
يجب أن تستمر
بعد انتهاء الحدث.
وتوفر هذه المؤشرات
أساساً عملياً لدراسة السياحة الدبلوماسية بوصفها ظاهرة ترتبط بالحركة المكانية
والخدمية الناتجة عن استضافة المدن لهذه الفعاليات الدولية.
وقد برزت في هذا
المجال عدة مدن اكتسبت اهمية كبيرة في هذا
المجال حسب وظيفتها
أ-مدن ذات وظيفة دبلوماسية دولية مستمرة
جنيف، نيويورك، فيينا، لاهاي.
ب- مدن تستضيف فعاليات دبلوماسية
دولية بصورة دورية بروكسل وغيرها.
ج- مدن اكتسبت رمزية دبلوماسية نتيجة
حدث تفاوضي تاريخي مدينة دايتون الامريكية.
وتحظى هذه المدن بحضور
متكرر في وسائل الإعلام الدولية نتيجة استضافتها للفعاليات والمؤتمرات والقمم
الدولية
فتحولت الى فضاء
دبلوماسي تتقاطع فيه
السياسة والاقتصاد والسياحة
والإعلام. ([10]) .
فجنيف تستضيف مكتب
الأمم المتحدة في قصر الأمم، ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية
وغيرها من المنظمات الدولية، في حين تحتضن نيويورك المقر الرئيسي للأمم المتحدة،
وتضم فيينا المركز الدولي للأمم المتحدة وعددًا من المنظمات الدولية المتخصصة، ولا
سيما الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، بينما
تتميز لاهاي بتركز مؤسسات القضاء والقانون الدولي، ومنها محكمة العدل الدولية
والمحكمة الجنائية الدولية. ويعكس هذا التوزيع المكاني اختلاف الوظائف الدولية
للمدن، ويعزز قدرتها على استضافة المؤتمرات والاجتماعات والمفاوضات والفعاليات
الدبلوماسية الدولية.
اما
مدينة دايتون الأمريكية، التي استضافت في نوفمبر/تشرين الثاني
1995 مفاوضات السلام المتعلقة بالحرب في البوسنة والهرسك في قاعدة رايت-باترسون
الجوية، التي استمرت 21 يومًا و حظيت بتغطية إعلامية دولية
واسعة، إذ تجمع أكثر من 300 صحفي من مختلف أنحاء
العالم حول القاعدة لمتابعة المفاوضات[11].
وعلى الرغم من أن المباحثات عقدت في قاعدة عسكرية لتوفير العزلة والأمن للمفاوضين،
فإن ارتباط اسم دايتون باتفاقيات السلام أسهم لاحقًا في ترسيخ صورة المدينة بوصفها
«مدينة للسلام.
وقد ظهر استمرار هذا
الإرث الدبلوماسي في عام 2025، عندما استضافت دايتون اجتماع الجمعية البرلمانية
لحلف شمال الأطلسي (NATO)،
بمشاركة نحو 300 برلماني وضيف،
بالتزامن مع فعاليات ثقافية وتاريخية شملت معارض ومحاضرات وفعاليات فنية وحفلًا
موسيقيًا للسلام[12]،
الأمر الذي يوضح كيف يمكن للحدث الدبلوماسي التاريخي أن يتحول إلى عنصر من عناصر
الهوية الدولية للمدينة وأن يُعاد توظيفه في فعاليات سياسية وثقافية لاحقة.
ويمكن
اعتبار استضافة باكستان للمفاوضات الامريكية – الايرانية في شهر نيسان 2026 مثالا تطبيقيا
على استضافة الفعاليات السياسية والتي تقود الى جملة من الفوائد الاقتصادية
والسياسية فقد دخل باكستان اكثر من خمسين صحفي اجنبي وتحولت معظم مرافق ومنشات
مدينة اسلام اباد الى مراكز لاستقبال الوفود ومن ثم، تمثل إسلام آباد مثالًا على
كيفية تحول المدينة المضيفة للفعاليات الدبلوماسية من مجرد مكان لعقد المفاوضات
إلى فضاء تتداخل فيه الوظائف الدبلوماسية والإعلامية والخدمية والسياحية، مع ضرورة
التمييز بين الآثار السياحية المباشرة التي يمكن قياسها إحصائيًا وبين الآثار
الدبلوماسية والإعلامية الأوسع للحدث[13]
-
[1]شوقي السيد محمد , مدخل الى الجغرافية
السياحية , كلية الآداب والعلوم الإنسانية , جامعة قناة السويس , 2019
, ص 19.
1- . UN
Tourism. (2016). Tourism: A Catalyst for Development, Peace and Reconciliation.
World Tourism Organization.
[3] - هويدا حميد توفيق , وأخرون , دور السياحة في تدعيم السلام بين الشعوب من
منظور المجتمعات المستضيفة بالتطبيق على القاهرة الكبرى , المحلة الدولية للتراث
والسياحة , جامعة الفيوم , المجلد 12, العدد 1-1
, 2018 , ص190
[4] - Jamie Gillen , M. (2024). Tourism geopolitics: Roots
and branches. Tourism Geographies
[5] - UN Tourism. (2016). Tourism: A Catalyst for
Development, Peace and Reconciliation. World Tourism Organization.
[7] - . Reuters. (September 2026). Reports on diplomatic
efforts and negotiations related to the Russia–Ukraine war.
[8] - UNCTAD & UN Tourism. (2025). Guiding Principles
for Sustainable Investment in Tourism. United Nations
[9] - https://www.iccaworld.org.
[10] -United Nations. (2024). Secretary-General's Message on
World Tourism Day: Tourism and Peace. New York: United Nations.
.[11]
- National Museum of
American Diplomacy. Diplomacy Ends a
War: The Dayton Accords. U.S. Department of State
[12] - Smyth, J. C., & Aftoora-Orsagos, P. (2025, May 23). At commemoration of Dayton Peace Accords,
Balkan and US officials say NATO helps maintain peace. Associated
Press, published by Dayton Daily News.
[13]- للمزيد عن استضافة باكستان للمفاوضات الامريكية –
الايرانية ينظر وكالة انباء رويترز الاخبارية على الموقع : https://www.reuters.com

إرسال تعليق